محيي الدين الدرويش

406

اعراب القرآن الكريم وبيانه

يتشعّب منه سبع شعب ، لكل واحد سنبلة . وفيه تجسيد بديع بعقد المماثلة بين المشبّه والمشبه به . والغرض من التشبيه هنا توضيح المعنى وتقريبه للأذهان أولا ، ثم تأييده بالدليل المحسوس الذي لا يكابر فيه المكابر ، ولا يتعنّت فيه المتعنّت ثانيا ، ثم تزيين المشبه وتجميله ، وإلهاب الرغبة فيه ، بحيث لا يتردد أحد في الإنفاق بعد أن رأى بعينه سلفا ما أعد له من جزاء ثالثا . 2 - « ثم » في أصل وضعها تشير إلى أن ثمة تراخيا بين المعطوف بها والمعطوف عليه ، وهذا التراخي قد اختلف فيه ، فبعضهم يقول : إنه تراخي الزمن وبعد ما بينهما . والزمخشري يرحمه اللّه يحمله على التفاوت في الرتبة ، فإلى أيهما يعتزي في هذه الآية ؟ لقد أفاض علماء البيان في هذا الباب ، فقال قوم : المراد التراخي في الزمن نظرا للغالب من أن وقوع المنّ والأذى يكون يعد الإنفاق حتما ، بل هما مترتبان عليه ، ولا يمكن تصورهما قبل وقوعه ، وهذا حسن جميل ، وذهب الزمخشري إلى أن التراخي هنا محمول على التفاوت في المراتب والتباعد بينهما ، حيث لا يمكن حملها على الزمان لسياق يأبى ذلك في الآية . وحاصله أنها استعيرت من تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة ، وهذا من أبدع ما يصل اليه الفكر الراجح والذكاء البعيد الغور ، فإن است خراج هذه الاستعارة على هذا الشكل لا يدركه قصار النظر والابتدائيون ، وعلى هذا يقال : معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ، ومعناها المستعارة اليه دوام وجود الفعل وتراخي زمان بقائه .